القاضي التنوخي

182

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

متوسّطة ، وطعام نظيف كاف ، إلَّا أنّه قليل ، فأكلنا ، وبنبيذ تمر جيّد ، فجعلوه بين يديّ ، وبمطبوخ جيّد بين يديه . ومدّت ستارة ، فإذا بغناء طيّب ، وبخّر بعود طريّ « 1 » وندّ جميعا ، وأنا متشوّف إلى علم السبب . فلما طابت نفسه ، قال : يا فلان ، تذكر أيّامنا الأوّلة ؟ قلت : نعم . قال : أنا الآن في نعمة متوسّطة ، وما قد أفدته « 2 » من العقل ، والعلم بالزمان ، أحبّ إليّ من تلك النعمة ، هو ذا ترى فرشي ؟ قلت : نعم . قال : إن لم يكن بذلك العظم ، فهو مما يتجمّل به أوساط الناس . قلت : نعم . قال : وكذلك آلتي ، وثيابي ، ومركوبي ، وطعامي ، وفاكهتي ، وشرابي ، فأخذ يعدّد ويقول في كل فصل : إن لم يكن ذلك المفرط ، ففيه جمال ، وبلاغ ، وكفاية . إلى أن ذكر كلّ ما عنده « 3 » ، ويضيف ذلك إلى أمره الأوّل ، ويقول : هذا يغني عن ذلك ، وقد تخلَّصت من تلك الشدّة الشديدة ، تذكر يوم عاملتني المغنّية لعنها اللَّه بما عاملتني به ؟ وما عاملتني به أنت ذلك اليوم ، وقلته في كلّ يوم ، وفي يوم الزجاج ؟ فقلت : هذا قد مضى ، والحمد للَّه الذي أخلف عليك ، وخلَّصك مما كنت فيه ، فمن أين لك هذه النعمة ، والجارية التي تغنّينا الآن ؟

--> « 1 » في ط : مطري . « 2 » في ط : رزقته . « 3 » في ب : غلمانه .